Aqidah Abad 15H Teks Arab · terjemahan akan datang
منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين
د مصطفى محمد حلمي
Baca kitab penuh →
Petikan kitab (teks Arab)
Petikan teks Arab kitab ini. Terjemahan Melayu sedang disediakan.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد …
فقد آثرنا اختيار دراستنا عن علم الكلام - أو أصول الدين - لتوضيح آراء علماء الحديث والسنة وبيان منهجهم، ذلك لأن الدراسات الكلامية التقليدية أولت عنايتها للفرق المنشقة عن أهل القرون الأولى - كالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية - كما تعمقت وتوسعت في عرض المذهبين الكبيرين: الاعتزالي والأشعري، ولم تلتفت للنتاج العقلي للمحدثين والفقهاء بالقدر الكافي الذي يسمح بإبراز مواقفهم من أصول الدين ومنهجهم في النقاش والرد على مخالفيهم، مع العلم بأنهم كانوا يستندون إلى أدلة عقلية وبراهين منطقية قائمة على تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والاسترشاد أيضًا بفهم الأوائل الذين كانوا أكثر علمًا ودراية بأسرار اللغة العربية وأسباب النزول ودقائق العقائد المتصلة بأصول الدين.
وفي ضوء هذه الحقيقة، نرى أن طريقة أهل الحديث والسنة تحتاج إلى نظرة إنصاف وتقدير حيث شاعت الفكرة التي تصفهم بأنهم (نصيين) وليسوا (عقليين) ، فضلاً عن أوصاف أخرى تشاع عنهم خطأ كوصفهم بالجمود وما إلى ذلك من صفات شوهت صورهم في أذهان الخاصة والعامة.
وكثيرًا ما تروج - مع الأسف - أفكار وتسود أراء مع مجافاتها للحقيقة ومجانبتها الصحة وذلك بسبب ترديدها المتواصل. وساعد على ذلك عوامل ثقافية وتاريخية ومذهبية وسياسية، كلها أدت إلى ترقي الفكرة الشائعة إلى مرتبة تكاد تصل إلى اليقين في دوائر البحث العلمي، سواء على مستوى الجامعات والكليات المتخصصة، أو المهتمين بالدراسات الإسلامية من العلماء والباحثين والمؤرخين وغيرهم، إلا فيما ندر.
وقد آن الأوان لإعطاء علماء الحديث والسنة حقهم، لا أقول من التقدير
فحسب، بل من التبيين والإيضاح.
إزاء كل هذه العوامل، رأينا أن المسؤولية العلمية تقتضي منا إلقاء الضوء على منهج هؤلاء، وبيان الطابع العقلي بحيث يجعلهم في صفوف نظَّار المسلمين الأصليين وإنه وفقًا لاتباع مناهج المتكلمين أصحاب النظر العقلي، يمكننا وضع علماء السنة والحديث الذين خاضوا في قضايا علم الكلام في الصفوف الأولى. وكان مثار اهتمامنا بهذا الاتجاه، هو وقوفنا على سمات بارزة تربط بين هؤلاء العلماء الذين لا ينتمون إلى الدوائر الكلامية بمدارسها المعروفة، ذلك أن من يتتبع الحركات الفكرية المناوئة للفرق المنشقة منذ ظهورها، يعثر - كما فَعلْنا - على ملامح عناصر ثابتة لتيار إسلامي أصيل يعبر عن غالبية عقائد المسلمين، ظلوا يعارضون منذ البداية كافة الانشقاقات التي خالفت الأصول الإسلامية.
وكان من سمات منهجنا تتبع الآثار الأولى حيث نلحظ المعارضة الشديدة لأية بادرة للخروج عن الصف الأول المتماسك الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، وكان يجابه بعلاج حاسم، وربما يعد من المفيد الاستشهاد على بعض هذه الملامح المشهورة تاريخيًا: كما حدث في حرب الردة إذ حاول بعض المسلمين الامتناع عن دفع الزكاة فكان موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه المعروف، الذي استند فيه إلى قاعدة إيمانية نظر منها إلى شمول الدائرة الإسلامية التي لا تفرق بين الصلاة والزكاة، فتحرك بدافع هذا الفهم الواضح، ورأى أن أي انفراط يعني تخلخل الأساس واهتزازه وضياع المعالم للإسلام. وفي أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه نرى واقعة زجره لصبيغ عندما سأل عن الآيات المتشابهات فنهاه عن الخوض فيما لا طائل وراءه وثبت بعد ذلك صدق إلهام عمر.
وفي خلافة عثمان رضي الله عنه، عندما ظهرت الفتن بأيدي محركيها، كان الخليفة الثالث يناقش بالحجج والأدلة آراء دعاة الفتنة ويدحضها، ولكنهم كانوا قد ركبوا رؤوسهم وبيتوا أمرًا بليل، فعبروا بجريمتهم على أنهم لم يكونوا طلاب حق وعدل، بل دعاة تفرقة وأدوات فتن كيدت للإسلام من وراء الستار. كذلك وقف علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما وعمر بن عبد العزيز وغيرهم كما تروي لنا المصادر التاريخية لمناقشة الخوارج بالأدلة العقلية المستمدة من الكتاب والسنة.
وظل هذا الاتجاه سائرًا في طريقه لمواجهة ما ظهر من الفرق، ففي مواجهة الخوارج والشيعة والقدرية والجهمية وقف عشرات العلماء لمقارعة الحجة وتقديم الأدلة والبراهين على انحرافاتهم، ونعني بهم أمثال الحسن البصري وسعيد بن المسيب والأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ووقائع وقوف كل من الشافعي والدارمي لمعارضة بشر المريسي معروفة مشهورة بكتب التاريخ والملل والنحل، كذلك تحدي الإمام أحمد بن حنبل لكل من المأمون والمعتصم والواثق في مسألة (خلق القرآن) ، إلى جانب أتباعه الذين ظلوا محافظين على منهجه لمواجهة المنهج الأشعري، بل إننا نرى موقف الأشعري نفسه إمام المذهب - في كتابه (الإبانة) ، (ومقالات الإسلاميين) - معبرًا عن الاتجاه السلفي العام في أصول الدين، حيث وجد فيه المنهج الصحيح الذي يستطيع به مواجهة منهج الكلام الاعتزالي الذي بلغ ذروته في عصر المأمون (215 هـ) ثم المعتصم ثم الواثق (227 هـ - 232 هـ) .
وأثناء فترة حالكة في تاريخ الحضارة الإسلامية ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728 هـ) ليستجمع مؤلفات علماء السنة والحديث قبله، ويظهرها في قالب (كلامي) يدحض به كافة الآراء حوله بعد أن تضخمت واستفحل أمرها، فكانت موَاقِفه الكلامية الحاسمة إزاء كل الفرق والمذاهب التي جعلت منه علامة بارزة على منهج علماء الحديث والسنة يستضاء بها في ظلمات الغربة واليأس، وسنرى في هذا الكتاب كيف وفق شيخ الإسلام إلى استنتاج طرق الاستدلالات العقلية من القرآن الكريم، مثل (الميزان القرآني) و (الآيات) و (اللزوم) و (قياس الأولى) و (أدلة الكمال) .
هذا ما رأينا بحثه ودراسته.
أما تكرار الحديث عن علم الكلام لمباحثه المعروفة في دوائر الفرق والمعتزلة والأشاعرة، مع انحياز لمذاهبهم الكلامية، فلن يخدم الحقيقة التي نسعى لمعرفتها في مجال البحث العلمي، لأن تجاهل غالبية علماء المسلمين في القرون الأولى - مع جلالة قدرهم ومكانتهم الدينية والعملية، ومن اتبع نفسه منهجهم - أو عرض آرائهم من وجهة نظر خصومهم بغير إنصاف، كل هذا يتنافى مع ما نتوخاه من معرفة الحقيقة - لا سيما إنَّ علماء الكلام عنوا بأصول الدين، لا بفروعه، ولكن المناهج السائدة عكست الآية، ذلك أن أغلب الدارسين اكتفوا بكتب علماء الكلام المتأخرين المشوبة
بكثير من الأنظار الغريبة الدخيلة وآراء عهد انحدار الحضارة الإسلامية، مع المنهج العلمي التاريخي الصحيح الذي يقتضي أن نرجع إلى الأصول الأولى قبل كل شيء (1) .
وقد التزمنا باتباع هذا المنهج المعبر عن أصول حضارتنا أيام ذروتها، فكانت خطتنا البدء بالنظر في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين، ثم التدرج لبحث ظهور الفرق وأسبابه، مع انتفاء بعض المناقشات التي دارت بين علماء الحديث والمعتزلة، كعبد العزيز المكي وبشر المريسي، والإمام أحمد والقاضي ابن أبي دؤاد.
وتابعنا هذه الخطة فعرضنا لمذهب الأشاعرة ونقده من وجهة نظر علماء الحديث والسنة - لا سيما رأي ابن تيمية.
كذلك خصصنا بابًا للحديث عن موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية. وفي النهاية رأينا ضرورة عرض نبذة عن الفكر الإسلامي المعاصر.
ولم يغب عن ذهننا أن موضوع الكتاب له وجهان:
الأول - تاريخي ربما قد خمد بسببه الانفعال الذي كان مشتعلاً بين طيات السطور في الكتب الكلامية. ولكن بقيت المسائل موضوعيًا نابضة بالحياة إلى وقتنا الحاضر، لأنه ما من مسلم يقرأ القرآن ويطالع كتب الحديث إلا وتدور في ذهنه أوجه التفسير والتأويل، والتأمل في قضايا أصول الدين، من كلام عن الله تعالى ذاتًا وصفاتًا وأمور الغيب الأخرى، كقيام الساعة والحساب والعقاب والجنة والنار وأفعال العباد والإيمان بالقضاء والقدر وغيرها. ونرى أن خير عون - بعد توفيق الله تعالى - هو الاستضاءة بالفهم والتدبر بفهم علماء السنة وتدبرهم والاستناد إلى حججهم الشرعية العقلية، فإنها شرعية لأنها مستمدة من الشرع، وعقلية لأنها تتفق مع أدلة العقل الصحيحة.
الثاني - الجانب المعاصر في الفكر الإسلامي المتجه إلى مقاومة الغزو الفكري للحضارة الغربية، فما لم نستكمل الدراسة بإلقاء النظر إلى الفكر الإسلامي المعاصر فإن الدراسة بذلك تصبح مبتورة، ولا تفيد القارئ الذي يريد فهم ما يدور حوله،
لتعينه على التمييز بين الصواب والخطأ. لذلك رأينا إعطاء فكرة عن ملامح المشكلات الكلامية في عصرنا الحاضر مع اختلافها عما أثير في القرون الماضية.
ونقرر عن ثقة واقتناع، بأن طريقة القرآن الكريم التي أجلاها وأظهرها علماء السنة هي الطريقة الثابتة الصحيحة على أمد الدهر، ولا تهز ثقتنا بهذا الأصل ما نراه حولنا من تطورات علمية وتكنولوجية بهرت العقول والقلوب، ذلك لأن المعلومات العلمية مهما ازدادت وتشعبت وتفرعت، فإنها لا تناقض ولا تعارض سنن الله تعالى في الكون والآفاق، فبقدر ما يهب الله عباده العلماء من القدرات والوسائل المتطورة لاكتشاف أبعاد أكبر في الآفاق أو أبعاد أعمق في النفس البشرية، بقدر ما تتأكد لهم ثبات السنن الإلهية.
وقد مهد الطريق لهذا المنهج كثير من العلماء المتخصصين ذوي الكفايات الممتازة في مجالات تخصصهم، فإن أصبنا الغرض فذلك بتوفيق من الله تعالى، وإن أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان، والخير أردنا وما توفيقي إلا بالله العلي القدير.
مصطفى حلمي
الإسكندرية في 3 ذو الحجة سنة
1402 هـ
20 سبتمبر سنة 1982 م
الباب الأول
الفصل الأول:
عصر الصحابة رضي الله عنهم
- أصول الدين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
- رد الرسول صلى الله عليه وسلم على وفد نجران.
- القرآن كلام الله تعالى.
- الإيمان بالقدر وفهمه على الوجه الصحيح.
- الملائكة.
عصر الصحابة رضي الله عنهم
ظلت أغلب دراسات المحدثين في الإسلاميات التي تحوم حول علم الكلام في نشأته وتطوره تعتمد على كتب المتكلمين أنفسهم من المعتزلة والأشاعرة في الغالب، فلا تكاد تعثر على دراسة عن المسلمين الأوائل ومناهجهم الشرعية العقلية في الاستدلال على أصول الدين.
ونلحظ أن أغلب البحوث المعاصرة تعتمد على آراء المستشرقين الذين يهتمون عادة بالفرق المنشقة عن أهل السنة والجماعة، والاهتمام بإيجاد الصلات بين معتقدات الفرق والمصادر الخارجية من عقائد وديانات وفلسفات يونانية وفارسية ونحوها.
وكثيرًا ما تتضخم أبحاثهم بالمسائل الخلافية والعناية بالفرق الغالية، وتصور التاريخ الإسلامي من خلال الخلافات والانشقاقات، فتختفي الحقيقة تحت أكوام من الجدل والخلاف بحيث يصعب على القارئ التمييز بين الحق والباطل.
ومثل هذا المنهج - فضلا عن النتائج المغرضة التي يراد الوصول إليها فإنه يتجاهل حقيقة بارزة لا يمكن إخفاؤها، ألا وهي أن آراء الفرق المنشقة قد حوصرت منذ ظهورها بواسطة علماء الحديث والسنة، ورفضتها الغالبية من أهل السنة والجماعة التي ظلت مستمسكة بالعقيدة الصحيحة المتلقاة بالقبول والفهم منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.
لهذا، رأينا - مستعينين بالله سبحانه وتعالى إجلاء المنهج المتبع بواسطة علماء الحديث والسنة، وكانت أولى خطواتنا البدء بعصر الصحابة لاستقراء الاتجاهات الدالة على ألوان من النظر العقلي قبل أن يظهر أهل الكلام وقبل أن ينشق الصف الإسلامي إلى فرق ومذاهب متطاحنة، لنحاول أن نقف على تفسيرات أصحاب الصدر الأول للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتصلة ما سماه المتكلمون بـ (أصول الدين) والتي لم توضع في الصيغ الكلامية أو الأنساق الفلسفية خلال العصور المبكرة التي نتحدث عنها، ولكن الذي حدث هو أنه كلما تفتقت مسألة، أو حدث انشقاق طارئ مستحدث، قام لها من يتصدى بالتفسير والتوضيح، أو النهي والزجر إذا كان من قبل
البدع المنهي عنها.
ثم ظهر على مر الأعصار المتكلمون في الفرق المختلفة فصاغوا كل هذا الكلام وشرحوه في أبواب وفصول نقلته إلينا مصادرهم، وجاء الباحثون لمحاولة استقصاء هذه المسائل في صيغها التقليدية بعينها، فلم يعثروا لها على أثر، فظنوا أن الصحابة لم يعرفوها، ولم يتطرقوا إليها، بينما الحق أنهم عرفوها وفهموا دقائقها، كما ينبغي أن تفهم وتعرف. ولا شك أن الأدلة تدعم اتجاهنا في اتخاذ عصر الصحابة نقطة البدء في البحث؛ لأن دراسة التاريخ الإسلامي ترشدنا إلى معرفة أسبقية الأوائل في العلم والعمل، في العقيدة والسلوك. وسنتخذ هذا المنهج في البحث لمحاولة شجب النتائج التي توصل إليها أمثال جولد تسيهر وغيره من المستشرقين الذين يطبقون على الإسلام - في العقائد والعبادات - آثار فكرة التطور، فيتصورون أنه بدأ بسيطًا ثم تطور على يد المسلمين فكانت أكبر زلاتهم.
ولما كانوا غير مسلمين معنا بالدليل القطعي الثابت في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة، الآية: 3] فإن استقراء الأحداث بأناة وصبر وجهد - مع توافر الصدق وحسن الطوية - ليثبت أن الإسلام في حياة الرسول اكتمل في عقائده وعباداته وأخلاقه وأحكامه ونصوصه وقواعده وأن الرسول صلوات الله عليه انتقل إلى الرفيق الأعلى، وترك الإسلام على هذا النحو وأن المسلمين من القرن الأول يرفضون من أي مخلوق، ومن أي جماعة، أن يضعوا في هذا الدين جديدًا إلى يوم الناس هذا، ويعتبرون أي تزيد على هذا الدين بدعة تحارب.
وسنحاول على قدر الاستطاعة، وبقدر ما تسمح به هذه الدراسة، الالتفات إلى عصر الصحابة والتابعين للبحث عن مواقفهم إزاء المسائل التي أثارها المتكلمون في العصور التالية.
أصول الدين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة:
تتعدد المواقف التي توضح اتجاه الصحابة في تلقي الآيات القرآنية والنظر إليها، فإذا بدأنا في دراسة تلك المواقف لمنهج استقرائي، استطعنا الوقوف على استنباطهم