Pustaka Turath
Pustaka Turath › Aqidah
Aqidah Abad 15H Teks Arab · terjemahan akan datang

كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين

عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (ت 1431 هـهـ)
Baca kitab penuh →

Petikan kitab (teks Arab)

Petikan teks Arab kitab ini. Terjemahan Melayu sedang disediakan.

مقدمة

كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء المرسلين
تأليف: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وبعد: فهذا كتاب "قرة عيون الموحدين" للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، المتوفي سنة "1285 " هـ، وقد وضع فيه بعض الحواشي المفيدة على كتاب جده شيخ الإسلام في عصره الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي التميمي المتوفى سنة "1206 " هـ، الذي دعا إلى توحيد الله عز وجل وعدم الإشراك به، وقد تبعه في ذلك حفيده الشيخ عبد الرحمن، فوضع بعض الحواشي المختصرة في كتابه هذا الذي سماه "قرة عيون الموحدين "، وإنه بحق قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين، الذين دعوا إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به، فبين الشيخ عقيدة التوحيد، وحذر مما يعد من الشرك الذي تساهل الناس فيه في عصرنا الحاضر، كالتمائم، والتبرك بالأحجار والأشجار وغيرهما، وبين أنه لا تجوز العبادة إلا لله تعالى، وأن الذبح أيضا لا يجوز إلا لله، وكذلك النذور لا تجوز إلا لله، وأن من الشرك أن يستغيث الإنسان بغير الله تعالى وأنه ينبغي أن لا يسأل غير الله تعالى، ولا يستعين إلا بالله، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: " وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " 1 وقال تعالى في القرآن الكريم: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} 2.
وبين رحمه الله أن سبب كفر بني آدم، الغلو في الصالحين حتى صارت كالأوثان تعبد من دون الله، وحذر الناس من السحر والكهانة، والتطير والتنجيم والاستسقاء بالأنواء، وبين أن من الشرك الحلف بغير الله تعالى، وأن على المؤمن أن يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وبين أيضا رحمه الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم حمى التوحيد وسد طرق الشرك، ومن أراد في هذا شرحا وافيا فعليه أيضا بكتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" الذي هو شرح أيضا للمؤلف نفسه
على كتاب جده "التوحيد"، فإنه قد أجاد فيه، وأفاد، جزاه الله تعالى خيرا.
وإننا نقدم للناس هذه الرسالة في وقت أحوج ما نكون فيه إلى تصحيح عقائد المسلمين والرجوع بها إلى النبع الصافي من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وهي تعطينا صورة صادقة لما كانت عليه عقيدة الأمة الإسلامية في قرونها الخيرة التي تلقوها عن أئمتهم، وهي عقيدة السلف الصالح، وهي العقيدة السليمة والطريقة المستقيمة التي ينبغي على كل مسلم أن يسلك سبيلها، وأن يسير على منهاجها، نسأل الله تبارك وتعالى أن يميتنا على عقيدة أهل السنة والجماعة، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفي بالله عليما.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه خادم السنة النبوية
عبد القادر الأرناؤوط
مقدمة المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه، وبعد، اعتمدت في تحقيق كتاب "قرة عيون الموحدين" على طبعة الأستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى، الذي هو حاشية على "كتاب التوحيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، المطبوعة بمطبعة المنار سنة 1346هـ، وقد رأينا أن الفائدة لا تتم من الكتاب إلا إذا كان مصدر بكتاب التوحيد كاملا فكان عملنا:
1- صدرت "كتاب التوحيد" في أعلى الصفحات.
2- جعلت "كتاب قرة عيون الموحدين" حاشية له وبحرف مغاير للأول.
خرجت أحاديث الكتابين، وذلك بالرجوع إلى كتب السنة المطهرة، وإلى كتب الشيخين محمد ناصر الدين الألباني وعبد القادر الأرناؤوط، وألحقت بالكتاب فهرسا لأطراف الحديث وآخر لموضوعات الكتاب.
وأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب ويقر به عيون الموحدين، الذين يتبعون رسالاته ويخشونه ولا يخشون أحدا سواه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
بشير محمد عيون
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم
1- باب " حق الله على العباد وحق العباد على الله "
وقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} 1.
وقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 2 الآية.
..................................................................................................
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا كريم
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الكلام على البسملة بين مذكور في الشرح، والبداءة بها سنة، كما فعل البخاري وغيره من العلماء اتباعا للسنة في مراسلات النبي صلي الله عليه وسلم للملوك وغيرهم، وفي الأمر بالبداءة بها حديث معروف3. "كتاب التوحيد"المراد بالتوحيد توحيد العبادة، وكل رسول يفتتح دعوته لقومه بهذا التوحيد: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 4 كما في سورة الأعراف وهود وغيرهما. وقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} 5 دلت الآية على أن الله تعالى خلق الخلق لحكمة عظيمة، وهي القيام بما وجب عليهم من عبادته وحده بترك عبادة ما سواه، ففعل الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهي العبادة.
قال شيخ الإسلام: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وقال أيضا: والعبادة اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته،
وقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ
..................................................................................................
فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين. وقال أيضا: وأما ما خلقوا له من محبة الله تعالى ورضاه فهو إرادته الدينية، فذلك مذكور في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} 1 2.
وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 3 الآية. يخبر تعالى أنه بعث في كل قرن وطائفة من الأمم رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة ما زينه الشيطان لهم وأوقعهم فيه من عبادة ما سواه، فمنهم من هدى الله ووحده تعالى بالعبادة وأطاع رسله، ومنهم من حقت عليه الضلالة فأشرك مع الله غيره بعبادته، ولم يقبل هدى الله الذي جاءت به الرسل، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 4. وهذا التوحيد الذي خلقوا له ودعوا إليه هو توحيد الإلهية، توحيد القصد والطلب.
وأما توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الأفعال، فهو توحيد العلم والاعتقاد، وأكثر الأمم قد أقروا به لله. وأما توحيد الإلهية فأكثرهم قد جحدوه، كما قال تعالى عن قوم هود لما قال لهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 5 {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} 6 وقال مشركو قريش: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 7، وهذه الآية وهي قوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 8، هذه الآية تبين معنى الآية قبلها وكذلك الآيات بعدها، وأن المراد بالعبادة التي خلقوا لها هي العبادة الخالصة التي لم يلبسها شرك بعبادة شيء سوى الله كائنا ما كان، فلا تصح الأعمال إلا بالبراءة من عبادة كل ما يعبد من دون الله، والله تعالى خلق الثقلين ليعبدوه، فمنهم من فعل، ومنهم من أشرك وكفر، كما قال تعالى في هذه الآية: {فَمِنْهُمْ
مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} 1.وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} 2 يبين أن حكمة الرب في خلقه للجن والإنس لا تقتضي أن كلا يفعل ما خلق له وأرسلت الرسل لأجله، ولهذه الحكمة أهلك الله من لم يعبده وحده، ولم يقبل ما جاءت به رسله، وشرع قتالهم لنبيه صلي الله عليه وسلم وأتباعه، فمنهم من أطاع وهم الأقلون، ومنهم من عصى وهم الأكثرون.
وهذا التوحيد هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، كما قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف عليهم السلام: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} 3، وهذا هو الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وأمر الرسل أن يقيموه، كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 4، وقال لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} 5، فأمره أن يعبده وحده وأن يدعو الأمة إلى ذلك. والقرآن كله في هذا التوحيد وبيانه وجزائه والرد على من جحده، كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. هْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 6 وفي حديث معاذ الذي رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال: قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال: "سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان- وذكر الحج - ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروه سنامه الجهاد في سبيل الله " 7.
فدل على أن الإسلام هو التوحيد، والفرائض من حقوقه. وقد أجمع الفقهاء على أن الإسلام شرط لصحة الصلاة وغيرها من الأعمال، وهو
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} 1 الآية. وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} 2الآيه. وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}
..................................................................................................
مقتضى الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله. فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: نفي الشرك والبراءة منه وممن فعله، وإخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بالرسول وطاعته وهو معنى الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} 3 أي أمر ووصى. فقوله: " أَلا تَعْبُدُوا " فيه معنى "لا إله" وقوله: " إِلا إِيَّاهُ " فيه معنى " إِلا اللَّهَ ". وهذا معنى كلمة الإخلاص كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} 4 فقوله: " أَلا تَعْبُدُوا " فيه معنى "لا إِلَهَ" وقوله: " إِلا اللَّهَ " هو المستثنى في كلمة الإخلاص فسبحان الله كيف خفي هذا مع بيانه ووضوحه على الأذكياء من متأخري هذه الأمة؟.
وقول الله تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} 5 - الآية.
وهذه الآية تبين العبادة التي خلقوا لها أيضا، فإنه تعالى قرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه وهو الشرك في العبادة، فدلت هذه الآية على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فلا تصح بدونه أصلا، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 6، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 7، فتقديم المعمول يفيد الحصر، أي بل الله فاعبد وحده لا غير، كما في فاتحة الكتاب {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 8.
وقرر تعالى هذا التوحيد بقوله: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} 9.
والدين هو العبادة بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني.
وتقدم أن أصله وأساسه توحيد العبادة، فلا تغفل عما تقدم.
قوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَاناً} 1 أي حرم عليكم الشرك الذي نهاكم عنه بقوله: {أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} 2 فالشرك أعظم ذنب عصي الله به أكبره وأصغره.
وقد وقع الأكثر من متأخري هذه الأمة في هذا الشرك الذي هو أعظم المحرمات، كما وقع في الجاهلية قبل مبعث النبي صلي الله عليه وسلم، عبدوا القبور والمشاهد والأشجار والأحجار والطواغيت والجن، كما عبد أولئك اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام والأوثان، واتخذوا هذا الشرك دينا ونفروا إذا دعوا إلى التوحيد أشد نفرة، واشتد غضبهم لمعبوداتهم، كما قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} 3، وقال تعالى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} 4، وقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} 5.
علموا أن لا إله إلا الله تنفي الشرك الذي وقعوا فيه، وأنكروا التوحيد الذي دلت عليه، فصار أولئك المشركون أعلم بمعنى هذه الكلمة: "لا إله إلا الله" من أكثر متأخري هذه الأمة، لا سيما أهل العلم منهم الذين لهم دراية في بعض الأحكام وعلم الكلام، فجهلوا توحيد العبادة، فوقعوا في الشرك المنافي له وزينوه، وجهلوا توحيد الأسماء والصفات وأنكروه، فوقعوا في نفيه أيضا. وصنفوا فيه الكتب لاعتقادهم أن ذلك حق وهو باطل.
وقد اشتدت غربة الإسلام حتى عاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا، فنشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" 6.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلي الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} 1 إلى قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} " الآية.2.
..................................................................................................
وقد قال صلي الله عليه وسلم: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" 3.
وهذا الحديث قد صح من طرق، كما ذكره العماد ابن كثير وغيره من الحفاظ، وهو في "السنن" وغيرها، ورواه محمد بن نصر في "كتاب الاعتصام".
وقد وقع ما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم بعد القرون الثلاثة، فلهذا عم الجهل بالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام، فإن أصله أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وقد ترك هذا وصارت عبادة الأكثرين مشوبة بالشرك والبدع، لكن الله تعالى - وله الحمد - لم يخل الأرض من قائم له بحججه، وداع إليه على بصيرة؛ لكي لا تبطل حجج الله وبيناته التي أنزلها على أنبيائه ورسله، فله الحمد والشكر على ذلك.
قوله: "التي عليها خاتمه " شبه هذه الوصية بوصية كتبت فختمت، أي فلم تتغير ولم تتبدل، أراد أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يزل يدعو الأمة من حين بعثه الله تعالى إلى أن توفاه - صلوات الله وسلامه عليه - إلى ما تضمنته هذه الآيات المحكمات أمرا ونهيا، كما قال تعالى عن خليله عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا
Buka di aplikasi →

© Pustaka Turath — Himpunan Terjemahan Kitab