Aqidah Abad 14H Teks Arab · terjemahan akan datang
فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت علي مخلوف
أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي (ت 1342 هـهـ)
Baca kitab penuh →
Petikan kitab (teks Arab)
Petikan teks Arab kitab ini. Terjemahan Melayu sedang disediakan.
[مقدمة الطبعة الأولى]
مسائل الجاهلية
التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71]
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد أيضا: فعن جابر بن عبد الله قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]
» وكان من عهده صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه رضوان الله تعالى عليهم: «وسترون من بعدي اختلافا شديدا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» ، ومحدثات الأمور هي الأمور المخترعة في الدين التي يراد بها التقرب إلى الله سبحانه، وكل محدثة فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فصاحبها في النار، ولو كان قد رآها حسنة.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» . روى الأحاديث الثلاثة آنفة الذكر ابن ماجه في أوائل سننه.
إن الاقتداء بالسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم في أمور الدين لهو أمر واجب، جاء التصريح به في مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]
فالله سبحانه وتعالى قد ذكر في هذه الآية الكريمة تحذيرا شديدا عن مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومشاققته، ثم عطف على ذلك فقال: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] ولا شك أن هذا السبيل هو سبيل الله الذي حذر الله سبحانه المؤمنين أن يخالفوه، وهو ما كان عليه المهاجرون والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهم الذين أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في قوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]
إن على كل مسلم أن يعلم ما هو المنهج الصحيح من ضمن المناهج الكثيرة التي تنتسب إلى الإسلام، هذا المنهج الذي طالما غفل عنه جماعات من المسلمين قديما وحديثا، ولم يتنبهوا له، أو أنهم تنبهوا له ولم يرعوه حق رعايته.
هذا المنهج هو منهج الفرقة الناجية، التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة: «ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة» .
وفي الحديث المروي في المسانيد والسنن تفسير لهذه الرواية وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم «حين سئل عن الفرقة الناجية: من هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا عليه وأصحابي» .
فمن استمسك بهذا السبيل: سبيل المؤمنين الأوائل من المهاجرين والأنصار كان من الناجين يوم القيامة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89]
وطالما أن الأمر كذلك فإنه لا بد للدعوة الإسلامية في هذا العصر خاصة من أمرين:
أولهما: تصفية دين الإسلام مما هو غريب عنه مما هو مخالف للكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم كالشرك، وجحد الصفات الإلهية وتحريفها باسم التأويل، والاجتهادات الخاطئة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة والمنكرة وغير ذلك.
أما الأمر الثاني: فهو تربية الناس - والجيل الناشئ خصوصا - على هذا الإسلام المصفى من كل شائبة تربية إسلامية صحيحة منذ نعومة أظفاره، ورأس ذلك وأساسه وأسه: توحيد الله سبحانه، وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه، فإن حاجة الخلق إلى ذلك وإلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، فحاجتهم إليه فوق حاجتهم للطعام والشراب، بل وإلى النَّفَس الذي لا حياة إلا به.
هذا الأمر المهم العظيم الذي لأجله انقسم الناس إلى مؤمنين وكفار، ودخلوا به الجنة أو النار، هو أجل ما يقضى فيه الأوقات، وتصرف في سبيله الأموال، بل وتبذل النفوس الغالية رخيصة لأجل إعلاء كلمة الله، فحري بنا أن نحرص كل الحرص على تعلم توحيد الله تعالى وتعليمه، والحرص على الابتعاد عما يناقضه من الشرك واتخاذ الصالحين والأنبياء والملائكة وغيرها معبودات مع الله، كما كان عليه أهل الجاهلية، الذين جاء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمخالفتهم في هذا الأمر العظيم، وفي غيره؛ ذلك أن جميع الرسل والأنبياء بعثوا بالتوحيد وهو إفراد الله بالعبادة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وقال عز اسمه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] وقال سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36]
وقد بقي الناس بعد آدم عشرة قرون على التوحيد، ثم حدث الشرك بشبهة تعظيم الصالحين، والدليل قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أسماء رجال صالحين من
نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخَ العلم عُبِدَتْ» (1) .
وهذا يدل على أهمية العلم الشرعي، والخسارة العظيمة بفقدانه، فلما حصل هذا أرسل الله نبيه نوحا عليه السلام إلى قومه لما غلوا في الصالحين، ونُسي العلم، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأعراف: 59 - 60] وقد ذكر الله في سورة نوح وغيرها قصته معهم، واستكبارهم عن الإيمان، وإفراد الله بالعبادة، وأنه عليه السلام نوَّع الدعوة لهم؛ ليكون أنجع فيهم، فلم يؤمن معه إلا قليل، ثم أغرقهم الله، فأدخلهم جهنم، أعاذنا الله منها.
وقد أخبر سبحانه أنه أرسل إلى عاد أخاهم من القبيلة هودا، وإلى ثمود أخاهم صالحا، وشعيبا إلى مدين، قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65] وقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] وقال عز من قائل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] فكل الأنبياء بعثوا بالتوحيد كما تقدم.
ولما أرسل الله نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كسر تلك الأصنام بعينها التي عبدها قوم نوح عليه السلام، والتي توارثها المشركون، وغيرها من الأصنام، وقد أرسل إلى قوم يتعبدون
ويحجون ويتصدقون، ويحبون الله ويذكرونه كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين، قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] فجدد لهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، وأخبرهم أن هذا التقرب حق لله وحده، ولا يصلح منه شيء لغير الله، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا غيرهما.
قال تعالى آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ - قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي - فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 11 - 15]
وقد كان هؤلاء المشركون يقرون بأن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع وما فيهن، والأرضين السبع وما فيهن، كلهم عبيده، وتحت تصرفه وقهره.
والدليل على ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] وقوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 - 89] وغير ذلك من الآيات.
فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يدخلهم في الإسلام، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، بأن لا يعبد إلا الله، ويكفر بما يعبد من دونه من
الأنبياء والملائكة والصالحين والمقبورين وغيرهم، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] وقال سبحانه: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14] وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء لا يريدون إلا شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون.
وهذا التوحيد هو معنى قولك (لا إله إلا الله) فإن الإله هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا صالحا، أو شجرة أو قبرا أو جنيا، فإن مشركي العرب لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق، فإنهم يعلمون أن ذلك هو الله وحده كما تقدم، وإنما أرادوا بالإله: الذي يقصد بالعبادة، فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ، وأن يكفروا بما يُعبد من دون الله، فأبوا عليه ذلك، وجرى ما هو معروف من نصر الله نبيه عليهم، والتمكين لدينه في الأرض، كما بينت ذلك في كتابي " سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم " (1) .
إذا علمت ذلك، وعلمت الشرك بالله الذي حرمه الله أشد من تحريم الزنى، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والذي قال الله فيه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] وعرفت دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وعرفت ما وقع فيه فئام (2) من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الشرك، وضممت إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم
الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان» (1) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية (2) وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» (3) .
إذا علمت ذلك أفادك فائدتين:
الأولى: الفرح بفضل الله وبرحمته، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]
الثانية: الخوف العظيم من الشرك، فإن سادات الأولياء خافوا منه كمثل نبي الله وخليله إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال الله عنه أنه دعا ربه بقوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] وقال نبي الله وخليله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (4) وخصوصا أن الله قص علينا في القرآن الكريم عن قوم موسى عليه السلام مع صلاحهم وعلمهم، وأن الله فضلهم على أهل زمانهم، بدليل قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 47] مع ذلك طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله يعبدونه، كما أن للمشركين آلهة يعبدونها، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] يعني: تجهلون عظمة الله، وما ينبغي أن ينزه عنه من الشريك.
واعلم أن الله سبحانه من حكمته أنه جعل لكل نبي عدوا، والدليل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]