Aqidah Abad 15H Teks Arab · terjemahan akan datang
الوحي والإنسان - قراءة معرفية
محمد السيد الجليند
Baca kitab penuh →
Petikan kitab (teks Arab)
Petikan teks Arab kitab ini. Terjemahan Melayu sedang disediakan.
مقدمة
…
تقديم:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
هذا هو العدد السادس من سلسلة تصحيح المفاهيم أردت فيه أن أوضح طبيعة العلاقة بين الوحي والإنسان، بين الوحي والكون، بين الوحي والعلم خلال قراءة معرفية نستوضح خلالها منهج القرآن الكريم في بناء الموقف المعرفي المؤسس على عالم الشهادة بعناصره الحسية يستنبط منه ويستنبط به مبدأ الضرورة العقلية؛ لينطلق منه لتأسيس ما يسمى بقوانين المعرفة.
وفي هذا الموقف يؤكد الوحي على مسئولية الإنسان عن وحدة المعرفة وتحصيل أهدافها ومقاصدها حيث يكون الإنسان هو الذات العارفة، وهو المالك لوسائل المعرفة وهو باعتباره جزءا من عالم الشهادة موضوع لهذه المعرفة، وحين تتوحد عناصر الموقف المعرفي في الإنسان تتحدد مسئوليته عن تحقيق أهداف هذه المعرفة ومسئوليته عن حسن توظيف موضوعها وأدواتها ليحسن في النهاية تحقيق الأهداف وتحصيل المقاصد، حيث يقوده اليقين بعالم الشهادة إلى الإيمان بعالم الغيب، ويقوده اليقين المعرفي بأن من يخلق من العدم هو أقدر على أن يعيد الخلق مرة ثانية، وحين يقرأ معنى العناية
الإلهية الشائعة في كل أفراد عالم الشهادة يؤمن أن لهذا الوجود معنى وللخالق فيه حكمة وغاية، فينفي القول بالعبثية أو المصادفة.
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} .
وقال سبحانه: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} .
هي قراءة معرفية لعلاقة الوحي بالإنسان وموقف الإنسان من الوحي وقضاياه، وهي قراءة لعلاقة الوحي بالعلم وهي قراءة لمطلب الوحي من الإنسان في التعرف على الكون وما فيه.
حاولت فيها أن أبتعد عن التأنق في الأسلوب واختيار الألفاظ؛ لأنها كانت قراءة لحظية آنية بنت ظروفها العارضة، لفت انتباهي إلى أهمية هذه القراءة الحوار الذي كان يدور في لقاءات الجمعية الفلسفية المصرية وما يثار فيها من مشكلات كانت تصل أحيانا إلى حد اعتبار أن الإيمان بالغيب أمر وهمي، وأن "الله" أو كما يسمونه "بالمطلق" أمر لا يقبل العقل الحديث عنه، إنما هي خرافات تعوق حرية العقل والإبداع، وقد نشر ذلك في بعض الدوريات الثقافية، مما يدل على أن هذا الموقف المعرفي يحتاج إلى تجلية بعض المسائل وتوضيح مفهوم هذه العلاقة التي قد ينكرها البعض كلية وهذا حاصل في واقعنا الثقافي، وقد لا يدرك طبيعتها البعض الآخر. وهذا أيضا حاصل في واقعنا الثقافي. وقد يختلف البعض معنا في هذه القراءة
وفي مضمونها وهذا أمر نتوقعه، وقد يوافقنا البعض الآخر فيما قرأناه وقصدنا إليه. وما أردت من هذا كله إلا الإصلاح، ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل.
المؤلف
الجيزة في:
28 صفر سنة 1422هـ
22 مايو سنة 2001م
الوحي والإنسان: قراءة تاريخية:
إن قضية العقل والدين وتصور العلاقة بينهما ليست وليدة هذا العصر، ولا هي من خصوصياته، كما أنها ليست وليدة عصر معين ولا من خصوصيات أمة بعينها. إنها تضرب بجذورها في أعماق التاريخ من يوم أن دبّ الإنسان على ظهر الأرض.
نعم، إنها ليست من خصوصيات أمة دون أمة، ولا من خصوصيات حضارة دون حضارة، إنها إرث مشترك بين بني الإنسان منذ وعى الإنسان وجوده، وقد تأخذ العلاقة بين الدين والعقل شكل حوار هادئ أحيانا، وقد تأخذ شكل صراع عنيف أحيانا أخرى، وبالتالي فلا بد أن تختلف لغة التعبير عن هذه العلاقة من أمة إلى أخرى، ومن مستوى ثقافي إلى مستوى ثقافي آخر في داخل الحضارة المعينة حسب قرب هذه اللغة من منطق الفطرة السليمة أو بعدها عنها، فإن من مقاصد خطاب الوحي الديني التوجه إلى الفطرة السليمة التي تتجلى أنوارها في مظهر العقل وتجلياته المعرفية، فإن العقل في أسمى تجلياته نور من نور الفطرة ومظهر من مظاهرها، كاشفا عنها وعن سلامتها واستعدادها لتقبل ما هو صحيح من
المعارف والعلوم ورفض كل ما هو زائف منها، كما ينبئ العقل في الكثير من أحواله عن العلل والأمراض التي تعتري هذه الفطرة فتحجبها عن تقبل الحق ومعاندته ورفضه بل محاربته، وهذا أمر معروف في تاريخ العلاقة بين الوحي والإنسان على طول التاريخ.
إن جذور هذه العلاقة تمتد في أعماق التاريخ لترتبط بأبي البشرية آدم عليه السلام حيث يسجل لنا القرآن الكريم بداية هذه العلاقة في حوار هادئ بين الوحي والإنسان، فحين أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس امتنع، وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} فكيف أسجد له وأنا أشرف منه؟ مدعيا شرفه على آدم؛ لأن النار عنده أشرف من الطين، وبالقياس العقلي عند إبليس لا يجوز أن يسجد الأشرف للأدنى. والقصة معروفة بتكرار ذكرها في القرآن الكريم، ثم أمر الله آدم وزوجته أن يسكنا الجنة، وحذرهما من إغواء الشيطان لهما وقال لهما: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} .
وقال لهما: إن حال مقامكما في الجنة لا يعتريكما جوع ولا عراء ولا ظمأ {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} ثم أباح لهما الأكل من الجنة حيث شاء إلا شجرة واحدة نهاهما عن الأكل منها وقال لهما: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين} . وكرر القرآن الكريم تحذيره لآدم من متابعة الشيطان
وأعوانه فقال تعالى: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ} [طه: 117] .
ويسجل القرآن الكريم حالة من حالات الضعف البشري أمام إغواء الشيطان لآدم وزوجه، فزين لهما الشيطان الأكل من الشجرة وقال لهما: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} فأكل آدم من الشجرة، وعصى بذلك الأمر الإلهي كما قال تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} ثم تاب آدم من ذنبه، فتاب الله عليه: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] . وكما سجل القرآن الكريم معصية آدم وذنبه سجل أيضا توبته من ذنبه وندمه على ما اقترف، وأن الله تقبل منه توبته واصطفاه، قال تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] .
والقرآن الكريم يقصّ علينا هذه القصة في أسلوب تربوي تعليمي ليبين لنا حالة النفس البشرية وما يعتريها من حالات الضعف في كثير من الأحيان أمام المغريات وأمام إغواء الشيطان ووسوسته، وأن ذلك لا يجوز أن يكون مدخلا إلى حالة من اليأس أو القنوط من رحمة الله، وأن باب التوبة مفتوح أمام المذنبين.
كما بين لنا من جانب آخر سنة من سنن الله في كونه تتحكم هذه السنة في مسار علاقة الإنسان بوحي السماء، وتتمثل هذه السنة في أصل طبيعة النفس البشرية ومن لوازمها "الضعف" أمام المغريات، الضعف أمام المثيرات، وأن أكبر عامل نعالج به هذه الحالة هو الاستعانة عليها بالله، ومتابعة هداه، والقرآن الكريم حين سجل لنا قصة آدم قد ختمها بهذه النهاية التي تتضمن هذا القانون العام الذي يحكم علاقة الإنسان بالله، قال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 123-127] .
وقال تعالى في موضع آخر: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] . وتكرر ذلك في القرآن في مواضع أخرى.
ولا نريد الخوض في تفاصيل هذه القضية أو التعرض لإرادة الله في ذلك، وما الحكمة من الأمر بالسجود لآدم وامتناع إبليس عن السجود، أو الأكل من الشجرة والخروج من الجنة؛ فإن ذلك له
مواضع أخرى، ولكن نود أن نسجل هنا بعض الملاحظات التي تعتبر دروسا لا بد أن نعيها من سرد هذه القصة وغيرها في القرآن الكريم، ومن أهمها:
1- أن الذنب أو المعصية لا ينبغي أن تكون مدعاة لليأس من رحمة الله حتى وإن تكررت المعصية؛ فإن باب التوبة مفتوح أمام المذنبين، ولا ييأس مؤمن من رحمة الله أبدًا.
2- أن من لوازم النفس البشرية وخصائصها الضعف أمام المغريات وأمام عوامل الإثارة للغضب، وأن عاصمها من ذلك هو اللجوء إلى الله والالتزام بهديه.
3- أن موقف آدم من أوامر الوحي هنا لم يكن معارضة له ولا تنكرا، وإنما كان مخالفة للأمر باتباع هوى النفس واستجابة لإغواء الشيطان له. فالمعصية هنا ليست رفضا للأمر الإلهي بدعوى أن الأمر الإلهي يعارض برهانا عقليا أو قياسا منطقيا، وإنما كانت ذنبا اعترف به آدم وتاب منه وتاب الله عليه، فاصطفاه واجتباه وعلمه هذا القانون العام: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123، 124] .
ولا بد من التأكيد هنا على هذا المعنى الذي من أجله عصى آدم الأمر الإلهي، إنه متابعة هوى النفس وليس معارضة للوحي ولا تنكرا له ولا رفضا ولا معاندة له.