Aqidah Abad 15H Teks Arab · terjemahan akan datang
المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها
د. غالب بن علي عواجي
Baca kitab penuh →
Petikan kitab (teks Arab)
Petikan teks Arab kitab ini. Terjemahan Melayu sedang disediakan.
المجلد الأول
المجلد الثاني
الباب العاشر: العلمانية
مدخل
…
الباب العاشر: العلمانية
تمهيد:
لم تقم العلمانية في أساسها على كتاب الله تعالى ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا على حب الدين، وهذا أمر مسلَّم به، فماذ ننتظر منها بعد ذلك؟
إنها مذهب هدَّام من المذاهب السيئة التي أنتجتها العقلية الأوربية في مقابل الأديان، ولا يزال أتباعها يصولون ويجولون ويقدِّمونها في أثواب برَّاقة مغرية، وفي حقيقتها السُّم في العسل، وقد اجتذبت كثيرًا من شباب المسلمين، خصوصًا من كانت له صلة مباشرة بالعلم الغربي، ومن قلَّت معرفته بدينه الإسلامي، أو قلَّت معرفته بحقيقة هذا المذهب العلماني الهدَّام، وما يبيته من مؤامرت على العقيدة والأخلاق وسائر جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية، بل والسياسة، وغيرها، وستشمل دارسة هذا المذهب الفصول الآتية:
تمهيد:
الفصل الأول: حقيقة التسمية.
الفصل الثاني: التعريف الصريح للعلمانية.
الفصل الثالث: نشأة العلمانية وموقف دعاتها من الدين، وبيان الأدوار التي مَرَّت بها.
الفصل الرابع: الرد على من زعم أنه لا مقافاة بين العلمانية وبين الدين.
الفصل الخامس: أسباب قيام العلمانية في أوربا.
الفصل السادس: هل العالم الإسلامي في حاجة إلى العلمانية، وأسباب ذلك.
الفصل السابع: انتشار العلمانية في ديار المسلمين، وبيان أسباب ذلك.
الفصل الثامن: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين.
الفصل التاسع: آثار العلمانية في سلوك بعض المسلمين.
تعقيب على ما سبق.
الفصل الأول: حقيقة التسمية
يجب البدء أولًا ببيان حقيقة التسمية، وبيان صحَّة نسبتها إلى العلم، فهل هي كذلك؟ لقد انخدع الناس بتمسية العلمانية بهذا الاسم، ولا يزال أنصارها يتبجَّحون بها، ويتطاولون بتعاليمها، مغتَّرين بها؛ حيث وجدت لها سوقًا رائجة لدى فئات ممن قلَّت معرفتهم، أو كانت لهم أهدافٌ شريرةٌ ضد الدين لعزله عن قيادة البشر، أو التحاكم إليه لإحلال تعاليم عبدة الأوثان وأصحاب الأحقاد محلَّه.
وحين أطلقت هذه التسمية في أوربا كان يُقْصَد بها عندهم حسب ترجمتها الصحيحة: فصلُ الدين عن السياسة، أو الفصل الكامل بينه وبين الحياة الاجتماعية، على أساس أنه لا يجتمع العلم مع الدين بزعمهم، وقد كذبوا في ذلك وقلبوا الحقيقة، فإن الدين والعلم حميمان يكمل أحدهما الآخر ويقويه، أما نسبتهم مذهبهم إلى العلم، فإن الحقيقة تدل على أنه لا علاقة بين العلم وبين هذه الفكرة الضالّة، بل إن تسميتها علمانية إنما هو بسب سوء الترجمة من معناها الغربيّ الذي هو الابتعاد عن الدين، أو من باب الخداع والتضليل؛ إذ كان الأولى أن تكون ترجمتها وتسميتها أيضًا هي "اللادينية"؛ لأن مفهومها الأصليّ هو هذا، وليس نسبة إلى العلم.
وما أقوى التشابه بين تسميتهم العلمانية بهذ الاسم نسبة إلى العلم،
وبين تسميتهم الاشتراكية بهذا الاسم كذلك، كلاهما تمسُّح بالعلم وهو بريء منهما، وكلاهما خداع الناس وتضليل.
وبعض الباحثين ذهب إلى أن "علمانية" -بكسر العين وسكون اللام- معناها: العلم الذي هو ضد الجهل، وأما "علمانية" -بفتح العين وسكون اللام- فمعناها: العالم أو الدنيا في مقابل الآخرة، وتأتي علمانية أيضًا بمعنى دهريّ تفسير لكلمة "لاتيك" الفرنسية، وهو تعبير نشره اليهود في فرنسا فيما بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر الميلاديين1.
الفصل الثاني: التعريف الصريح للعلمانية
الواقع أن دارس العلمانية سيلاحظ تعريفات كثيرة، إلّا أن أصدق تلك التعريفات وأقربها إلى حقيقة العلمانية، هو أن العلمانية مذهب هدَّام يُرَاد به فصل الدين عن الحياة كلها وإبعاده عنها، أو هي إقامة الحياة على غير دين، إمَّا بإبعاده قهرًا، ومحاربته علنًا كالشيوعية، وإمَّا بالسماح به وبضده من الإلحاد، كما هو الحال في الدول الغربية التي تسمِّي هذا الصنيع حرية وديمقراطية، أو تدين شخصي، بينما هو حرب للتدين، ذلك أن حصر الدين في نطاق فردي بعيدًا عن حكم المجتمع وإصلاط شئونه هو مجتمع لا ديني؛ لأنه أقام حياته الاجتماعية والثقافية وسائر معاملاته على إقصاء الدين1.
وهو حال الحضارة الغربية الجديدة ونظامها، وهذا هو الواقع الصحيح، ولا عبرة بمراوغتهم في زعمهم أنهم يرعون التدين، فإنها مجرد خداع للمتدينين، فإن تسميتهم لهذا الإلحاد علمًا هو من باب فرحهم بمعرفتهم ظاهرًا من الحياة الدنيا، وأين هو من العلم الحقيقيّ الذي يوصِّل صاحبه إلى معرفته ربه ودينه، وإلى السعادة في الدنيا والآخرة.
الفصل الثالث: نشأة العلمانية وموقف دعاتها من الدين، وبيان الأدوار التي مرَّت بها
لقد قامت العلمانية اللادينية على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى وإنكار الأديان، وهي رِدَّة في حق من يعتنقها من المسلمين مهما كان تعليله لها، وكانت العلمانية عند قيامها في مرحلتها الأولى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، تنظر إلى الدين على أنه ينبغي أن يكون أمرًا شخصيًّا لا شأن للدولة به، إلّا ما يتعلق بحباية الضرائب للكنيسة، ولعلَّ هذا كان خداعًا لأهل الدين، ثم اشتدت المواجهة للدين على النحو الذي تطوَّرت إليه بعد ذلك، وكان الخلاف محتدمًا ما بين رجال الدين ورجال العلمانية على السلطة، مما جعلهم ينادون بفصل الدين عن الدولة ليستقلَّ كل فريق بسلطته.
حتى إذا جاء القرن التاسع عشر، وهي المرحلة الثالثة؛ إذ بالعلمانيين يتجهون اتجاهًا منافيًا لكل مظاهر الدين والتدين، وأحلَّوا الجانب المادّي محل الدين، وبدأ الصراع يشتد بين العلمانيين اليساريين الناشئين وبين رجال الدين الكنسي المتقهقر، إلى أن أُقْصِيَ الدين تمامًا، ولم يعد للإيمان بالغيب أيّ مكانة في النفوس؛ إذ حلَّ محله الإيمان بالمادي المجرد المحسوس1.
ورغم وضوح الإلحاد في المذهب العلماني، فقد ظهر من يزعم زورًا وكذبًا أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين، وأخذ بعض الجاهلين والمتجاهلين يرددون هذا الفكر المغالط كالاشتراكيين تمامًا، على أنه لا ينبغي أن يغيب عن ذهن القارئ أن حرب الغرب للدين وأهله إنما جاءهم من دين محرَّف معادٍ لكل مفهوم للحياة الجديدة؛ لأن النصرانية التي جاء بها المسيح عليه السلام قد اندثرت وحرِّفت وضاع إنجيله بعد رفعه بفترة قصيرة، فتزعَّم الديانة بولس اليهودي الحاقد، فجاءت خرافية مصادمة للعقل والمنطق والواقع، ومن هنا وجد أقطاب العلمانية أن الدِّين -وهو تعميم خاطئ- لا يمكن أن يساير حضارتهم الناشئة، وأن رجال دينهم طغاة الكنيسة لا يمكن أن يتركوهم وشأنهم -وهو ما حدث بالفعل، وعلى إثر ذلك قامت المعركة بين الدين وأقطاب العلمانية، ونشط العلمانيون في بسط نفوذهم، وساعدتهم على ذلك عامَّة الشعوب الأوربية التي أذاقتها الكنيسة الذل والهون والالتزام بدين لا يقبله عقل أو منطق، فوجدوا في الالتجاء إلى رجال الفكر العلمانيين خير وسيلة للخروج عن أوضاعهم.
وإذا كان القارئ يرى أن للغرب حجَّتهم في رفض ذلك الدين البولسيّ الجاهلي، فإنه سيرى حتمًا أن انتشار العلمانية في بلاد المسلمين أمر لا مبرر له بأي حال، ولا سبب له إلّا قوة الدعاية العلمانية، وجهل كثير من المسلمين بدينهم، وجهلهمم كذلك بما تبيته العلمانية للدين وأهله، واتِّبَاعًا للدعايات البراقة.
الأدوار التي مرت به العلمانية في نشأتها:
وقد ذكر الدكتور العرماني أن العلمانية قد مرَّت في تطورها بأدوار هي كما يلي:
الدور الأول: وقد كان دور الصراع الدموي مع الكنيسة، وسمِّي هذا الدور بعصر التنوير، أو بداية عصر النهضة الأوربية، ويعود سببه إلى تأثر الأوربيين بالمسلمين إثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانًا من العذاب على أيدي رجال الكنيسة إثر ظهور الاكتشافات العلمية هناك، ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الاكتشافات وجهًا لوجه.
الدور الثاني: ظهور العلمانية الهادئة، وتغلُّب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تَمَّ عزل الدين عن الدولة، وانحصرات مفاهيهم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط، بعيدة عن الحياة الاجتماعية كلها.
الدور الثالث: وفيه اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحلَّ الإلحاد المادي محل الدين تمامًا1.
ثم برزت الرأسمالية من الروافد المقوية للإلحاد العلماني، فاكتمل تطويق الدين ورجاله، واعتبر الدين عدوًا للحضارة، وصار محلَّ سخرية الجميع في ردِّ فعل عارم يريد أن يكتسح كل شيء أمامه مما كان موجودًا؛ ليفسح الطريق أمام الوضع الجديد المتمرِّد على كل الأوضاع التي قبله.