Aqidah Abad 5H Teks Arab · terjemahan akan datang
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين
طاهر بن محمد الأسفراييني، أبو المظفر (ت 471 هـهـ)
Baca kitab penuh →
Petikan kitab (teks Arab)
Petikan teks Arab kitab ini. Terjemahan Melayu sedang disediakan.
قَالَ الإِمَام الْكَبِير حجَّة الْمُتَكَلِّمين أَبُو المظفر الإِسْفِرَايِينِيّ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ وَأَصْحَابه البررة الطاهرين
اعلموا أسعدكم الله إِن الله تبارك وتعالى أَمر عَبده بمعرفته فِي ذَاته وَصِفَاته وعدله وحكمته وكماله فِي صفته ونفوذ مَشِيئَته وَكَمَال مَمْلَكَته وَعُمُوم قدرته وَلَا تتكامل الْمعرفَة بذلك كُله إِلَّا بِنَفْي النقائص عَنهُ وبإثبات أَوْصَاف الْكَمَال لَهُ من غير أَن يشوبه شَيْء من بدع المبتدعين وإلحاد الْمُلْحِدِينَ وَكَانَ أمره تَعَالَى متضمنا لأمرين الْمعرفَة بِمَا أوجب مَعْرفَته والإحاطة بِمَا أوجب عَلَيْهِ مجانبته حَتَّى إِذا اجْتمع لَهُ الوصفان تحقق لَهُ وصف الْإِيمَان على سَبِيل الإتقان والإيقان والمفارقة لما يوسوس لكثير مِنْهُم من الشّبَه وحبائل الشَّيْطَان فَيكون إيمَانه كَمَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ عَن إِيمَان خَلِيل الرَّحْمَن حِين قَالَ {إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين} أثنى عَلَيْهِ لهَذِهِ الْمعرفَة لجمعه بَين الْمعرفَة بِكَمَال أَوْصَافه وميله عَن كل معبود يُخَالِفهُ فِي وَصفه فوصفه أَي الله تَعَالَى الْخَلِيل بِكَوْنِهِ حَنِيفا أَي مائلا عَن عبَادَة الْأَوْثَان وحبائل الشَّيْطَان وَمَا يُخَالِفهُ من الطّرق والأديان وبمثله أقرّ رَسُوله الْمُصْطَفى عليه السلام حِين قَالَ إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء إِنَّمَا أَمرهم إِلَى الله ثمَّ ينبئهم بِمَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ) وَقَالَ {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} فَأمره بالمعرفة ومغادرة كل دين يُخَالِفهُ فِي حَقِيقَته وَأمره أَن يخبر عَن نَفسه بِصفة مَعْرفَته الجامعة لوصفي النَّفْي وَالْإِثْبَات وَمَعْرِفَة مَا يجب مَعْرفَته ومجانبة مَا تجب مجانبته فَقَالَ {قل إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دينا قيمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين} وَأمر سُبْحَانَهُ الكافة بِكَلِمَة الْإِيمَان لَا إِلَه إِلَّا الله جمع فِيهَا بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات وَقدم النَّفْي على الْإِثْبَات ليعلم أَن الْإِثْبَات لَا يحصل إِلَّا بصيانته عَن كل مَا يتَضَمَّن مُخَالفَته وَهَكَذَا جمع فِي سُورَة الْإِخْلَاص بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فوصف نَفسه بأوصاف الْكَمَال فِي قَوْله {قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد} وَنفي عَن نَفسه النُّقْصَان بقوله {لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد} حَتَّى قَالَ أهل المعارف فِي تَحْقِيق صفة الصَّمد أَنه يتَضَمَّن إِثْبَات كل صفة لَا يتم الْخلق إِلَّا بهَا وَنفي كل صفة لَا يجوز وَصفه بهَا لِأَن الصَّمد فِي اللُّغَة هُوَ السَّيِّد الَّذِي يرجع إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج وَهَذَا يُوجب لَهُ إِثْبَات صِفَات الْكَمَال الَّتِي يتم بهَا إتساق الْأَفْعَال وَقد جَاءَ إِيضَاح اللُّغَة فِي تَفْسِيره أَن الصَّمد هُوَ الَّذِي لَا جَوف لَهُ وَهَذَا يتَضَمَّن نفي النِّهَايَة وَنفي الْحَد والجهة وَنفي كَونه جسما أَو جوهرا لِأَن من اتّصف بِشَيْء من تِلْكَ الْأَوْصَاف لم يسْتَحل اتصافه بالتركيب وَوُجُود الْجوف لَهُ وتقرر بِهَذِهِ الْجُمْلَة وجوب الْمعرفَة بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات والتمييز بَين الْحق وَالْبَاطِل وَمن لم يتَحَقَّق لَهُ معرفَة نفي صفة الْبَاطِل لم يتَحَقَّق لَهُ معرفَة إِثْبَات صفة الْمعرفَة بِالْحَقِّ
وَقد كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عَن الْحق لصِحَّة الإعتقاد والمعرفة وَعَن الْبَاطِل وَالشَّر للتمكن من المجانبة حَتَّى قَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان كَانَ النَّاس
يسْأَلُون رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن الْخَيْر وَكنت أسأله عَن الشَّرّ وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَله لتصح لَهُ مجانبته لِأَن من لم يعرف الشَّرّ يُوشك أَن يَقع فِيهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(عرفت الشَّرّ لَا للشر لَكِن لتوقيه … وَمن لَا يعرف الشَّرّ من النَّاس يَقع فِيهِ)
وَقد أخبر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنه سَيظْهر فِي زمن الْإِسْلَام من الْفرق الْمُخْتَلفَة مَا ظهر فِي الْأَدْيَان قبله فَقَالَ افْتَرَقت الْيَهُود إِحْدَى وَسبعين فرقة وافترقت النَّصَارَى اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة وتفترق أمتِي ثَلَاثًا وَسبعين فرقة كلهم فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة فَقيل يَا رَسُول الله من النَّاجِية فَقَالَ مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي وَفِي خبر آخر أَنه قَالَ الْجَمَاعَة
وروى عبد الله بن عمر بن الْخطاب أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون إِن الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم هم الْجَمَاعَة وَالَّذين اسودت وُجُوههم أهل الْأَهْوَاء فَبين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن هَذِه الْأمة يلبس بهَا وينسب إِلَى جُمْلَتهَا كثير من أهل الْأَهْوَاء يفارقونهم فِي حَقِيقَة الْإِيمَان وَإِن كَانُوا يلتبسون بهم فِي ظَاهر الْحَال فَلَا بُد لِلْمُؤمنِ من أَن يعرف حَالهم حَتَّى يتَمَيَّز عَنْهُم ويصون عقيدته عَمَّا هم عَلَيْهِ من الْبدع وَلَا يكون كمن وَصفه الله حَيْثُ قَالَ {وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون} وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْكبر وَلَا يبْقى فِي النَّار من كَانَ
فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَإِنَّمَا يحصل مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان بإعتقاد صَحِيح سليم عَن جَمِيع شوائب الْبدع والإلحاد وأنواع الْكفْر وَمَا لم يتَبَيَّن الْعَاقِل أَوْصَاف الْبدع وَأَهْلهَا لم يَتَقَرَّر لَهُ حَقِيقَة الْإِيمَان المستخلص عَن جَمِيعهَا وَكَلَام النَّبِي صلى الله عليه وسلم صدق ووعده حق وَهَذَا الَّذِي أخبر عَن وجود فرق الضلال فِيمَا بَين الْمُسلمين لَا محَالة كَائِن
وَقد اخْتلف مَشَايِخ أهل التَّحْقِيق من عُلَمَاء الْمُسلمين فِيهِ فَقَالَ بَعضهم لم يتكامل وجود هَذِه الْفرق من أهل الْبدع بَين الْمُسلمين بعد وَإِنَّمَا وجد بَعضهم وسيوجد بعدهمْ قبل يَوْم الْقِيَامَة جَمِيعهم فَإِن مَا أخبر الرَّسُول صلى الله عليه وسلم كَائِن لَا محَالة وَقَالَ الْبَاقُونَ وهم الَّذين يتتبعون التواريخ ويفتشون عَن المقالات المنقولة من أَرْبَاب الْمذَاهب المتسمة بسمة الْإِسْلَام أَن تَمام هَذِه الْفرق الضَّالة قد وجدت فِي زمرة الاسلام وَوَجَب على الْمَرْء المحصل أَن يُمَيّز عقيدته عَن عقائدهم الْفَاسِدَة وَدينه عَن أديانهم الضَّالة وَقد ظهر فِي بِلَاد الْإِسْلَام أَقوام من أهل الْبدع يخدعون الْعَوام وَيلبسُونَ عَلَيْهِم الْأَدْيَان وينتسبون إِلَى فريقي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَصْحَاب الحَدِيث والرأي ويستظهرون بصدور لَا يعرف حَالهم من صُدُور أهل الْإِسْلَام ليتقوى بهم على خداع أهل الْغرَّة من الْمُسلمين ويظهرون بِهِ للأغمار أَن لَهُم الْغَلَبَة وَالْقُوَّة وَلَا يعرف الْجَاهِل بأحوالهم إِن الْبَاطِل قد يكون لَهُ جَوْلَة ثمَّ يسْقط كَمَا سَارَتْ بِهِ الامثال على لِسَان الكافة أَن الْبَاطِل يجول جَوْلَة ثمَّ يضمحل وكما يُقَال الْحق أَبْلَج وَالْبَاطِل لجلج وَقَالَ تَعَالَى {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء}
فَأَرَدْت أَن أجمع كتابا فارقا بَين الْفَرِيقَيْنِ جَامعا بَين وصف الْحق وخاصيته وَالْإِشَارَة إِلَى حججه وَوصف الْبَاطِل وحد شبهه لِيَزْدَادَ المطلع عَلَيْهِ استيقانا فِي
دينه وتحقيقا فِي يقينه فَلَا ينفذ عَلَيْهِ تلبيس المبطلين وَلَا تَدْلِيس الْمُخَالفين للدّين وقسمته بحول الله وقوته على خَمْسَة عشر بَابا جَامِعَة لبَيَان أَوْصَاف عقائد أهل الدّين وفضائح أهل الزيغ والملحدين وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق لإتمامه بفضله وإنعامه أَنه على مَا يَشَاء قدير وبالفضل والأحسان جدير
الْبَاب الأول فِي بَيَان أول خلاف ظهر فِي الْإِسْلَام بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمَا ظهر من الْخلاف فِي أَيَّام الصَّحَابَة أَو قَرِيبا مِنْهُم
الْبَاب الثَّانِي فِي بَيَان فرق الْأمة على الْجُمْلَة
الْبَاب الثَّالِث فِي تَفْصِيل مقالات الروافض وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب الرَّابِع فِي بَيَان مقالات الْخَوَارِج وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب الْخَامِس فِي تَفْصِيل مقالات الْقَدَرِيَّة الملقبة بالمعتزلة وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب السَّادِس فِي تَفْصِيل مقالات المرجئة وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب السَّابِع فِي تَفْصِيل مقالات النجارية وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب الثَّامِن فِي تَفْصِيل مقالات الضرارية وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب التَّاسِع فِي تَفْصِيل مقالات البكرية وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب الْعَاشِر فِي تَفْصِيل مقالات الْجَهْمِية وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب الْحَادِي عشر فِي تَفْصِيل مقالات الكرامية وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب الثَّانِي عشر فِي تَفْصِيل مقالات المشبهة وَبَيَان فضائحهم
الْبَاب الثَّالِث عشر فِي بَيَان فرق ينتسبون إِلَى دين الْإِسْلَام وَلَا يعدون فِي جملَة الْمُسلمين وَلَا يكونُونَ من جملَة الإثنتين وَالسبْعين وهم أَكثر من عشْرين فرقة
الْبَاب الرَّابِع عشر فِي بَيَان مقالات أَقوام من الْمُلْحِدِينَ كَانُوا قبل ظُهُور دولة الْإِسْلَام وَإِنَّمَا أذكر جملَة مِنْهُم
الْبَاب الْخَامِس عشر فِي بَيَان اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَبَيَان مَا لَهُم من المفاخر والمحاسن والْآثَار فِي الدّين وَذكرت فِي كل بَاب مَا يَقْتَضِيهِ شَرطه على حد الإقتصار والإعتدال مصونا من الأملال والإكثار بِفضل الله وتوفيقه
الْبَاب الأول فِي بَيَان أول خلاف ظهر بعد الْمُصْطَفى صلى الله عليه وسلم وَفِي أَيَّام الصَّحَابَة أَو قَرِيبا من عَهدهم
أعلم أَن الْمُسلمين وَقت النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَبعد وَفَاته كَانُوا على طَرِيق وَاحِدَة لم يكن بَينهم خلاف ظَاهر وَمن كَانَ بَينهم من الْمُخَالفين الْمُنَافِقين مَا كَانَ يتَمَكَّن من إِظْهَار مَا كَانَ يستسره من أخباره فَكَانَ أول خلاف ظهر بَين الْمُسلمين اخْتلَافهمْ فِي وَفَاة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى قَالَ قوم مِنْهُم أَنه لم يمت وَلكنه رفع كَمَا رفع عِيسَى بن مَرْيَم وارتفع هَذَا الْخلاف ببركات أبي بكر الصّديق رضي الله عنه حِين صعد الْمِنْبَر وخطب خطْبَة وتلا عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى {إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون} ثمَّ قَالَ من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد رب مُحَمَّد فَإِنَّهُ حَيّ لَا يَمُوت فسكنت النُّفُوس وإطمأنت الْقُلُوب واذعنت لَهُ الرّقاب وَاعْتَرَفت الكافة بِمَا ظهر من الْأَمر وَزَالَ الْخلاف
الثَّانِي أَنهم اخْتلفُوا فِي مَوضِع دَفنه صلى الله عليه وسلم قَالَ قومإ إِنَّه يدْفن بِمَكَّة لِأَنَّهَا مولده وَبهَا قبلته وَبهَا مشاعر الْحَج وَبهَا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَبهَا قبر جده إِسْمَاعِيل عليه السلام
وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّه ينْقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَإِن بِهِ تربة الْأَنْبِيَاء ومشاهدهم صلوَات الرَّحْمَن عَلَيْهِم
وَقَالَ أهل الْمَدِينَة أَنه يدْفن فِي الْمَدِينَة لِأَنَّهَا مَوضِع هجرته وَأَهْلهَا أهل
نصرته فَزَالَ هَذَا الْخلاف ببركة الصّديق حِين روى أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ الْأَنْبِيَاء يدفنون حَيْثُ يقبضون فقبلوا مِنْهُ رِوَايَته وَرَجَعُوا إِلَى قَوْله ودفنوه فِي حجرته
الثَّالِث اخْتلَافهمْ فِي بَاب الامامة فَقَالَت الْأَنْصَار منا إِمَام ومنكم إِمَام وَطَالَ بَينهم الْكَلَام فِي ذَلِك حَتَّى صعد الصّديق رضي الله عنه الْمِنْبَر وخطب ثمَّ تَلا وَعَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون} قَالَ فسمانا الصَّادِقين ثمَّ أَمر الْمُؤمنِينَ أَي الله تَعَالَى أَن يَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين بقوله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} وروى لَهُم أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ الْأَئِمَّة من قُرَيْش فصدقوه فِي رِوَايَته ونزلوا على قَضيته وَاتَّفَقُوا على قَوْله فَزَالَ هَذَا الْخلاف أَيْضا ببركة الصّديق ثمَّ حدث فِيهِ خلاف قوم من الْخَوَارِج حَيْثُ قَالُوا بِجَوَاز الْخلَافَة فِي غير قُرَيْش كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْخلاف لَا يكون خطرا إِلَّا إِذا كَانَ فِي أصُول الدّين وَلم يكن اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك بل كَانَ اخْتِلَاف من يخْتَلف فِي فروع الدّين مثل مسَائِل الْفَرَائِض فَلم يَقع خلاف يُوجب التفسيق والتبري هَكَذَا جرى الْأَمر على السداد أَيَّام أبي بكر وَعمر وَصدر من زمَان عُثْمَان ثمَّ اخْتلف فِي أَمر عُثْمَان وَخرج عَلَيْهِ قوم مِنْهُم فَكَانَ من أمره مَا كَانَ
ثمَّ بعد ذَلِك حدث الِاخْتِلَاف فِي أَمر عَليّ وَفِي حَال أَصْحَاب الْجمل وصفين وَفِي حَال الْحكمَيْنِ وَظهر من ذَلِك خلاف الْخَوَارِج فِي أَيَّام عَليّ رضي الله عنه كَمَا
سَنذكرُهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَظهر فِي وقته أَيْضا خلاف السبأية من الروافض وهم الَّذين قَالُوا إِن عليا إِلَه الْخلق حَتَّى أحرق عَليّ جمَاعَة مِنْهُم وَظهر بعد ذَلِك سَائِر أَصْنَاف الروافض كَمَا نذكرهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَظهر فِي أَيَّام الْمُتَأَخِّرين من الصَّحَابَة خلاف الْقَدَرِيَّة وَكَانُوا يَخُوضُونَ فِي الْقدر والاستطاعة كمعبد الْجُهَنِيّ وغيلان الدِّمَشْقِي وجعد بن دِرْهَم وَكَانَ يُنكر عَلَيْهِم من كَانَ قد بَقِي من الصَّحَابَة كَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن أبي أوفى وَجَابِر وَأنس وَأبي هُرَيْرَة وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وأقرانهم وَكَانُوا يوصون إِلَى أخلافهم بِأَن لَا يسلمُوا عَلَيْهِم وَلَا يعودوهم إِن مرضوا وَلَا يصلوا عَلَيْهِم إِذا مَاتُوا ثمَّ ظهر بعدهمْ فِي زمَان الْحسن الْبَصْرِيّ بِالْبَصْرَةِ خلاف وَاصل ابْن عَطاء الغزال فِي الْقدر وَفِي القَوْل بِمَنْزِلَة بَين المنزلتين وَوَافَقَهُ عَمْرو بن عبيد فِيمَا أحدثه من الْبِدْعَة فطردهم الْحسن الْبَصْرِيّ من مَجْلِسه فاعتزلوه بأتباعهم