Pustaka Turath
Pustaka Turath › Aqidah
Aqidah Abad 15H Teks Arab · terjemahan akan datang

الإعلام في شرح فضل الإسلام

أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي
Baca kitab penuh →

Petikan kitab (teks Arab)

Petikan teks Arab kitab ini. Terjemahan Melayu sedang disediakan.

مقدمة
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فلقد كان الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي رحمه الله علامةً فارقة في تاريخ العقيدة السلفية، لما كتب الله على يديه من أثر عظيم في تجديد الدين، وإحياء التوحيد، ومحاربة الشرك والبدعة، التي ضربت أطنابها، في معظم بلاد الإسلام إبان القرن الثاني عشر الهجري، فدعا، وألف، وكاتب، وجاهد، فلم يحل رأس القرن إلا وقد طبقت دعوته أرجاء الجزيرة العربية، وامتدت آثارها إلى كثير من الأقاليم الإسلامية.
ولد رحمه الله في بلدة العيينة، وهي بلدة تقع شمال الرياض، سنة (1115 هـ)، وكان والده عبد الوهاب، قاضي البلدة، وكان جده سليمان بن علي، من كبار الحنابلة في نجد. فنشأ في بيت علم ودين وشرف، وتلقى العلم منذ نعومة أظفاره على والده، فحفظ القرآن ولما يبلغ العاشرة، وزوجه والده وهو ابن اثنتي عشرة سنة، لما رأى من رجولته المبكرة، ونباهته، وكياسته، وجعله يؤم الناس في الصلاة. وطلب العلم في البلدات المحيطة ببلدته، ثم توجه إلى بيت الله الحرام، فقرأ على شيوخ الحرمين، ثم عاد أدراجه، ورحل إلى البصرة، مارّاً بالأحساء. وظهر له من هذه الجولة ما آل
إليه حال المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري، من الجهل، والشرك، والبدعة؛ فقد رأى في بلاد الحرمين من صور الشرك والبدع المستوطنة، والوافدة مع أفواج العمار، والزوار، والحجيج، ما يحز في النفس؛ من دعاء غير الله، والاستغاثة بالأولياء والمقبورين، وكذلك الحال في البصرة، والأحساء وفي بلاد نجد، من البدع، والخرافات، والتعلق بالطواغيت، مما أيقظ في قلبه الرغبة في إحياء الدين، وتجديد التوحيد في حياة المسلمين.
فشرع في هذه المهمة العظيمة بالدعوة الصريحة، وجرى له محن وخطوب، حتى ساقه الله تعالى إلى بلدة الدرعية، فالتقى بالإمام محمد بن سعود، فتعاهدا وتعاقدا على نصرة الدين، ونشر التوحيد، ففتح الله عليهما في الجزيرة العربية، واستمر هذا التأثير يسري سريان النور في الظلماء في أرجاء العالم الإسلامي، فتأثر به أناسٌ كثر، ودعوا إلى توحيد رب العالمين.
وألّف الشيخ -رحمه الله تعالى- كتباً كثيرة، امتازت بالتأصيل، والوضوح، وسهولة العبارة، والتصنيف على طريقة السلف، فلم يكن يخلط كلام الله، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم بكلامه، بل كان يكتفي بوضع التراجم للأبواب، ثم يتبعها بذكر المسائل، كما وقع في (كتاب التوحيد)، وربما عقب تعقيبات يسيرة كما في هذا الكتاب.
أما المراسلات؛ فكان يكتب ويناقش ويجادل بالتي هي أحسن، ويورد الحجج، ويقمع الشبهات، فجاهد في الله تعالى جهاداً مبيناً، وأمدَّ الله تعالى في عمره، فكانت وفاته سنة (1206 هـ) أي: أنَّه عاش إحدى وتسعين سنة، رحمه الله رحمة واسعة.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا، كتاب (فضل الإسلام) قصد مصنفه بيان حقيقة دين الإسلام، وفضله، ووجوب الدخول في عقده، والاستغناء به عما سواه، وتحريم الخروج عليه، وخطورة تبديل الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وضرورة لزوم السنة، والتمسك بها كاملة، والتحذير من البدعة، وفضل الغربة، وإصلاح ما أفسد الناس.
وقد يسر الله شرحه في عدة مناسبات، في مجالس علمية متتالية، وجرى
تفريغ الأوعية الصوتية، وتنقيحها، والإضافة عليها، وتخريج أحاديثها تخريجًا وسيطًا، وإدخال النقول المفيدة من كلام الأئمة في مواضعها المناسبة؛ فجاء-بحمد الله-على هذا النحو، وسميته:
(الإعلام في شرح فضل الإسلام).
وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده، محققًا لمقصود مؤلفه.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: أ. د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة. في: 15/ 4/ 1442 هـ
باب (1)
فضل الإسلام
قال المصنف-رحمه الله-:
باب: فضل الإسلام
وقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]. وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} [يونس: 104] الآية. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28].
الشرح:
قال المصنف رحمه الله: "باب: فضل الإسلام" الفضل: هو الشرف، والزيادة.
و الإسلام لغةً: مأخوذ من الاستسلام، وهو الانقياد والخضوع.
واصطلاحًا، بالمعنى العام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وهو، بهذا الاعتبار، دين الله للناس جميعاً؛ الأولين والآخرين، ليس لله دين سواه. وهو الذي بعث الله تعالى به جميع الأنبياء والمرسلين، فما من نبي، ولا تابع نبي، إلا وهو مسلم بهذا الاعتبار. والدليل على هذا: قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19]، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].
فدين الله واحد، هو الإسلام، وعقيدة الأنبياء واحدة، وهي التوحيد، فلا يجوز التفريق بين رسل الله، لأنَّ الله قد جمعهم، ووحَّد دينهم؛ ولهذا قال سبحانه: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] وذم الله الذين يفرِّقون بين رسله، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء: 150 - 152].
ولذلك سماهم الله تعالى مسلمين، ووصفهم بالإسلام، وهو الاسم القديم، الباقي، لأولياء الله على مر العصور:
- قال تعالى عن نوح عليه السلام: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72].
- وقال عن إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131].
- وقال عنه، وعن إسماعيل: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128]- وبرَّأه من اليهودية والنصرانية، فقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].
- وقال عن يعقوب عليه السلام وبنيه: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132 - 133]
- وقال عن يوسف-عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
- وقال عن موسى عليه السلام أكبر أنبياء بني إسرائيل: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ
آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84]، وأدرك هذا المعنى سحرة فرعون، حينما رأوا الحق الصُراح، فقالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}، ولما هلك فرعون، أو كاد، فَاهَ بهذا الوصف: {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90].
- وأخبر عن ملكة سبأ أنها قالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44].
- وأخبر عن حواريي عيسى عليه السلام-أنهم قالوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]، وفي موضع: {وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111].
- وقد سمَّى الله تعالى جميع أنبياء بني إسرائيل مسلمين، كما في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44].
- بل إنَّ مؤمني الجن عبَّروا بهذا التعبير فقالوا: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً} [الجن: 14].
- وأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بما أمر الله تعالى به الأنبياء والمرسلين، فقال: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 12]، وفي موضع: {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 66]، وقال: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163].
فهذا الحشد من الآيات يُبيِّن أنَّ لفظ (الإسلام) لفظ قديم، واصطلاح عتيق، لم يأتِ مع بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو دين الله للأولين والآخرين، فهذا هو الإسلام بالمعنى العام.
وإنما وقع التنوع في الشرائع، كما قال صلى الله عليه وسلم «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» متفق عليه.(1) والإخوة لعلات، هم أبناء الضرائر.
ووجه الشبه أن الأنبياء دينهم واحد، وشرائعهم متنوعة، كما أن أبناء الضرائر، أبوهم واحد، وأمهاتهم متعددات.
وأما الإسلام بالمعنى الخاص: فهو ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم-من العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والآداب القويمة، والأخلاق الرفيعة، {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48]. فالإسلام بالمعنى الخاص، هو اللقب الذي غلب على هذه الأمة. فتبيَّن بهذا اتصال حلقات الإسلام، كما قال تعالى عن مؤمني أهل الكتاب: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 51 - 54].
فهذا هو الإسلام الذي عنون له المصنف بقوله: "باب فضل الإسلام" وصدّره بثلاث آيات:
الآية الأولى: قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]: هذه آية عظيمة، وهي من آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فيها امتنان بليغ من الله تعالى على هذه الأمة؛ بإكمال الدين، وإتمام النعمة، فعن طارق بن شهاب، أن يهوديًا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت، معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأيُّ آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]. فقال عمر رضي الله عنه: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات في يوم جمعة(1). وفي رواية: "نزلت ليلة جمع" أي: ليلة المزدلفة، وهي عشية يوم عرفات "ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات"(2).
قال الإمام النووي رحمه الله: "ومراد عمر رضي الله عنه أنا قد اتخذنا ذلك اليوم
عيداً من وجهين: فإنَّه يوم عرفة، ويوم جمعة، وكلٌّ منهما عيد لأهل الإسلام"(1).
فوائد الآية:
1 - فضل الإسلام؛ لأنَّ الله تعالى قد أكمله، وأتمه، فهذه الآية شاهد على ما عنون له المصنف.
2 - شمول الشريعة -بحمد الله- لجميع مناحي الحياة؛ العبادات، والمعاملات، وما يتعلق بالأمور الشخصية، والأمور العامة، وما يتعلق بالدنيا والآخرة، فلا تجد أمرًا، إلا وقد ترك لنا منه صلى الله عليه وسلم علماً، كما قال الله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الأنعام: 115] أي: صدقاً في أخبارها، وعدلاً في أحكامها.
3 - إبطال البدع والمحدثات، فإنَّ المبتدع يقول بلسان حاله، لا بلسان مقاله: الدين لم يكتمل، والنعمة لم تتم، فلذلك اقترح ما اقترح من المحدثات. فهذه الآية تقطع الطريق عليه.
الآية الثانية: قول الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} [يونس: 104]: هذه الآية تدل على ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بدينه، فالمعنى: إن كنتم في شك من ديني، فلست في شك من ديني، بل إني على بينة من ربي، ولا أعبد الذين تعبدون من دونه، كما أمره ربه: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [المائدة: 1 - 5].
وقد لاحظ المصنف رحمه الله ملحظًا لطيفًا في تفسير قوله: {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} [يونس: 104] فقال: "أنَّ كثيراً من الناس إذا عرف الشرك، وأبغضه، وتركه، لا يفطن لما يريد الله من قلبه من إجلاله، وإعظامه، وهيبته، فذكر هذه الحال
Buka di aplikasi →

© Pustaka Turath — Himpunan Terjemahan Kitab